قبل أيام قليلة، أجريت حوارا مع المهندس عمار نور الدين حسين أحمد، مهندس مشاريع الطاقة المتجددة في مجموعة النصبان القابضة بالسعودية، حول مسيرته المهنية. المهندس عمار من الشباب السودانيين المميزين الذين قاموا بنقلة ملفتة حيث تحول من مجال هندسة الطيران إلى الطاقة الشمسية و استطاع في فترة وجيزة تكوين خبرة مهنية و معرفة كبيرة بتقنيات و مشاريع الطاقة الشمسية (في المملكة العربية السعودية و التي تعد من أهم و أكبر الأسواق الناشئة في مجال الطاقة المستدامة)، بل و أسس قسم الطاقة المتجددة في شركة النصبان القابضة. هذا هو نص الحوار

متى بدأ الاهتمام بالطاقة المتجددة عند عمار و لماذا؟

بدأ الاهتمام بالطاقة المتجددة مع السنة الرابعة خلال دراستي لهندسة الطيران في جامعة السودان للعلوم و التكنلوجيا، حيث اقترح علينا أحد الأساتذة أن نطبق ما سندرسه في تصميم طائرة بدون طيار تعمل بالطاقة الشمسية، على أن نعتمد هذا المقترح كمشروع للتخرج في السنة التالية. لم يلق أحد بالاً لهذا المقترح، ولكن الفضول دفعني للإطلاع على ماهية الطاقة الشمسية و كيف يمكننا الإستفادة منها في التطبيقات الهندسية المختلفة. قادني هذا الإطلاع لإتخاذ قرار إعتماد هذا المقترح كمشروع للتخرج مع بداية السنة النهائية، حيث كنا فريقًا من ثمانية طلاب توزعنا حسب تخصصاتنا إلى فريق الهيكل والمحركات وفريق الكهروإلكترونيات، وكنت ضمن فريق الكهروإلكترونيات. خلال فترة المشروع، إطلعت أكثر على تجارب مشابهة في استخدام الطاقة الشمسية في تطبيقات مختلفة، ثم تعمقت في البحث والإطلاع حتى تعرفت على مفهوم الطاقة المتجددة بصورة أشمل وأوسع وتأثيرها على تطور المجتمعات والبلدان من كل النواحي. فقررت بعد التخرج أن أتحول لقطاع الطاقة المتجددة بدلا عن قطاع الطيران

و لماذا؟

١. لضيق مجال الطيران و محدودية فرصه في بلد يعاني فيه قطاع الطيران أيما معاناة

٢. لإعتقادي الجازم بضرورة ربط المعارف الأكاديمية بواقعنا كبلد يعاني من مشاكل جمة في البنى التحتية والخدمات الأساسية، مما يؤثر سلباً على جودة الحياة بالنسبة للإنسان. كما وأن إيماني بحتمية إنتمائنا لهذا البلد يحتاج لتضافر جهود أبناءه من أجل النهوض به وتغيير واقعه المعاش، فإن ذلك يستلزم أن يقوم كل منا بدوره كفرد ينتمي إلى قطاع معين

٣. تأثر السودان وغيره من المناطق الواقعة جنوب الصحراء بالتغير المناخي وما يصاحبه من تصحر وإضطراب في معدلات الأمطار والآثار البيئية المترتبة على ذلك

٤.الأزمات التي نعيشها وإنعكاسها على توليد وتوزيع الكهرباء وغيرها من المقومات الأساسية التي ينهض بها الإقتصاد، وحقيقة صعوبة معالجة هذا الأزمات دون اللجوء إلى التفكير خارج الصندوق

كل ذلك وغيره حتّم علي أن أبحث عن طريق أجد فيه ذاتي في المقام الأول، وأستطيع أن أخدم من خلاله البلاد والعباد من كل الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والبيئية وغيره، فوجدت ضالتي في قطاع الطاقة المتجددة

الفضول دفعني للإطلاع على ماهية الطاقة الشمسية و كيف يمكننا الإستفادة منها في التطبيقات الهندسية المختلفة

كيف بدأت في بناء المعرفة الفنية؟

كما ذكرت سابقاً، دخولي لقطاع الطاقة المتجددة تم من بوابة مشروع التخرج من مرحلة البكالريوس، حيث تم فيه الربط ما بين المعارف المختلفة التي تمت دراستها خلال سنين الدراسة بـ المعارف المكتسبة بالإطلاع الذاتي. مع مرور الزمن وإتخاذي قرار ترك قطاع الطيران والتوجه نحو الطاقة المتجددة، تمت خلال هذه الفترة قراءة عدد من التقارير والدراسات الفنية والمالية والبيئية والإجتماعية وغيرها مما عزز رغبتي في الإستمرار هذا القطاع والتطور فيه أكثر. لا أعتقد أن التعليم الذاتي وحده يكفي، ولكنه خطوة مهمة جداً في ظل عدم وجود مصادر تلقي المعرفة بصورة ممنهجة في ذلك الوقت وعدم وجود الدراسات/المشاريع المنفذة والمتاحة للدراسة والإطلاع

لا أعتقد أن التعليم الذاتي وحده يكفي، ولكنه خطوة مهمة جداً

كيف حصلت على أول وظيفة في الطاقة المتجددة؟

في بدايات العام 2016م، قررت حزم حقائبي والتوجه شرقاً بحثاً عن فرصة للعمل. خلال إطلاع أحد أصحاب الشركات على أوراقي لفت إنتباهه إسم مشروع التخرج، ثم أوضح لي رغبته بإنشاء شركة مختصة بأنظمة الطاقة الشمسية وكلفني بهذه المهمة. وجودي في هذا المنصب، رغم حداثة خبرتي العملية، أكسبني الفرصة للإطلاع على اللوائح والنظم المنظمة لعمل شركات الطاقة المتجددة في أنحاء العالم، كما أكسبني المعرفة بمعارف وجوانب جديدة تختص بإنشاء وإدارة مشاريع الطاقة المتجددة بأحجامها المختلفة لم أكن أعرفها سابقاً، تتراوح هذه المعارف من الفنية إلى المالية و القانونية والإدارية

كيف كانت تجربتك في البرنامج العربي لشباب الطاقة المستدامة في المركز الإقليمي للطاقة المتجددة و كفاءة الطاقة؟

ربما قد حالفني الحظ مرتين، مرة بعثوري بالصدفة على إعلان فرصة للتدريب في البرنامج العربي لشباب الطاقة المستدامة في المركز الإقليمي للطاقة المتجددة و كفاءة الطاقة و الذي كان سينتهي موعد التقديم له بعد أيام فقط و قبولي في البرنامج و مرة آخرى عندما تم إلحاقي بعدد من المشاريع ذات الصلة

في البدء، المركز الإقليمي للطاقة المتجددة و كفاءة الطاقة هو منظمة حكومية ذات صفة دبلوماسية ترمي إلى تفعيل و زيادة الاستفادة من ممارسات الطاقة المتجددة و كفاءة الطاقة المتجددة في المنطقة العربية من خلال الأبحاث و الدراسات، تطوير القدرات، و المساعدة الفنية، و برنامج شباب الطاقة المستدامة هو جزء من حزمة تطوير القدرات

عند بداية البرنامج، تم إلحاقي بعدد من المشاريع التي تغطي جوانب مختلفة من جوانب الطاقة المتجددة، حيث اشتملت تلك المشاريع على دراسات فنية لأنظمة الطاقة الشمسية، دراسات الأثر البيئي والاجتماعي لمحطات طاقة الرياح، تقديم مقترحات فنية ومالية لمشاريع يتم تنفيذها في عدد من الدول الأعضاء، المشاركة في مشاريع تهدف إلى تطوير مناهج الماجستير في مسار طاقة الرياح في عدد من الجامعات العربية والأوروبية، وغيرها من المشاريع التي أثرت المخزون المعرفي فيما يتعلق بالطاقة المتجددة. تجربة المركز الإقليمي كانت مفيدة على مختلف الأصعدة، وساهمت بشكل كبير في تشكيل رؤى واضحة لما يجب أن أعمل عليه، و ما يجب أن أكونه، و ما بإمكاني تقديمه

تجربة المركز الإقليمي كانت مفيدة على مختلف الأصعدة، وساهمت بشكل كبير في تشكيل رؤى واضحة لما يجب أن أعمل عليه، وما يجب أن أكونه، و ما بإمكاني تقديمه

كيف تشارك في تعزيز الوعي بالطاقة المتجددة؟

اجتمع منذ فترة عدد من الشباب المهتم بالطاقة المتجددة بغرض إنشاء جسم يجمع المهتمين بالقطاع لتحقيق أهداف محددة، فخرجنا بإنشاء الجمعية السودانية للطاقة الشمسية لتكون نواة لقطاع الطاقة الشمسية في السودان. تهدف الجمعية إلى زيادة المعرفة بأهمية الطاقة المتجددة ككل والشمسية تحديداً عن طريق إعداد دراسات وحملات إعلامية وورش متخصصة وغيرها، كما تهدف إلى تجسير الهوة بين القطاع العام والخاص والمساعدة في تذليل العقبات التي تواجههما ومحاولة جذب المستثمرين للإستثمار في هذا القطاع. واجهتنا بعض الصعوبات جعلت الجمعية ما زالت في طور الإنشاء، ونطمح بتكثيف الجهود حتى تتمكن من تحقيق أهدافها على الوجه الأكمل والأمثل

ما هي استراتيجيتك في الارتقاء المهني؟

لحداثة القطاع في بلداننا، ولصعوبة تحصيل المعرفة من طرقها المعروفة، كان لزاماً علي –وعلى غيري من المهتمين- أن يتابعوا تطورات القطاع محليا وإقليميا وعالميا عن طريق الدراسات المنشورة والتقارير والمجلات الدورية والسمنارات. أدى ذلك إلى تحديد أولوياتي فيما يتعلق بالقطاع وما يجب أن أعمق معرفتي فيه بشكل أكبر. على الصعيد الشخصي، أرغب أن أتعمق في سياسات و اقتصاديات الطاقة المتجددة وربطها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأطمح إلى أحصل على شهادة الماجستير في هذا المسار

أرغب أن أتعمق في سياسات و اقتصاديات الطاقة المتجددة وربطها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة

ما أهم ٣ توجيهات تعطيها للخريجين الجدد و المهتمين بالعمل في مجال الطاقة المتجددة؟

١. الإطلاع ثم الإطلاع على الدراسات والأبحاث والتقارير المتعلقة بالطاقة المتجددة من جوانبها المختلفة لمعرفة الإتجاهات العالمية ومحاولة ربطها بواقعنا في السودان

٢. تعلم المهارات الأساسية في تصميم و تنفيذ و مشاريع أنظمة الطاقة المتجددة

٣. حضور الورش و السمنارات المختلفة و التي تقام بين فترة و آخرى، سواء كانت على أرض الواقع أو من خلال الانترنت

Tags:

Mohamed Alhaj

Dr. Mohamed Alhaj is a Sudanese renewable energy engineer and researcher with a strong interest in the role of clean energy in Africa's sustainable development.

Leave a Reply